الشيخ محمد باقر الإيرواني
61
كفاية الأصول في اسلوبها الثانى
( من ) كلاهما يدلان على الابتداء ، غايته أن مفهوم الابتداء في كلمة ( ابتداء ) لوحظ بما هو مستقل وليس حالة قائمة في الغير ، فحينما تقول مثلا : الابتداء في العمل خير من التوقف فيه تلحظ مفهوم الابتداء بما هو مستقل وليس حالة قائمة في غيره ، وهذا بخلافه في كلمة ( من ) فإن معناها هو الابتداء الملحوظ بما هو حالة قائمة في الغير ، كما في قولك : سر من البصرة ، فإن المقصود سر مبتدأ من البصرة ، ولكن لوحظ الابتداء بما هو حالة قائمة بالبصرة ، فالبصرة لوحظت مبتدأ منها السير ، أي لم يلحظ الابتداء بشكل مستقل بل بما هو أمر طارئ على البصرة ، كما هو الحال في باب الاعراض ، فكما أن البياض مثلا في الخارج لا يوجد إلّا طارئا على غيره وهو الجوهر ، فكذلك معنى الحرف يلحظ بما هو قائم بالغير ، ومن هنا قيل : إن الحرف يدل على معنى قائم بغيره ولا يدل على معنى قائم بنفسه . وباتضاح هذا يقال : حيث إن اللحاظ - أي لحاظ المعنى حالة قائمة بالغير - أمر ذهني بل هو عين الوجود الذهني وليس شيئا آخر في مقابله فيلزم أن يكون معنى كلمة ( من ) جزئيا ذهنيا ، باعتبار أنه متقيّد بأمر جزئي ذهني ، فإن الوجود الذهني كالوجود الخارجي لا يكون إلّا جزئيا فإذا تقيّد به معنى كلمة ( من ) أصبح المعنى جزئيا ذهنيا . ونعود من جديد لنقول : إنه إذا كان المقصود من الخصوصية التي أصبح المعنى بسببها جزئيا هي الخصوصية الذهنية - التي هي عبارة أخرى عن لحاظ المعنى حالة قائمة بالغير - فترد آنذاك إشكالات ثلاثة هي : أ - يلزم تعدد اللحاظ حين استعمال كلمة ( من ) في مثل قولنا : سر من البصرة : أحدهما من جهة أن استعمال أي كلمة في معناها يتوقف على